قراءة كتاب “في سردابي” لفيودور دوستويفسكي (1864)

 

تُعد رواية “في سَردابي” نقطة انطلاق هامة في أدب فيودور دوستويفسكي، حيث تمثل أساسًا فلسفيًا لأعماله الكبرى اللاحقة. وهي رواية قصيرة عميقة تُصنَّف ضمن الأدب الوجودي والنفسي، وتُقدم صورة بليغة ومُعذَّبة للإنسان الحديث المعزول والمُغرق في وعيه.

 

مؤلف الرواية:

 

فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي (1821–1881)، أحد أعظم الروائيين في تاريخ الأدب العالمي، اشتهر بغوصه العميق في النفس البشرية وتحليله للقضايا الفلسفية والدينية والاجتماعية في روسيا القرن التاسع عشر.

 

ملخص وأفكار الرواية الرئيسية:

 

تنقسم الرواية إلى جزأين، وكلاهما يُقدم على شكل مونولوج داخلي (حديث ذاتي) لبطل الرواية، وهو موظف حكومي متقاعد يبلغ من العمر أربعين عامًا.

 

الجزء الأول: صوت من تحت الأرض (السرداب الفلسفي)

 

هذا الجزء هو مقالة هجائية وفلسفية طويلة، يهاجم فيها البطل (الذي لا يُذكر اسمه) الأفكار العقلانية والتقدمية السائدة في عصره. يختار البطل “السرداب” كرمز لعزلته وتمرده على المجتمع.

أبرز أفكار هذا الجزء:

  1. المعاناة والوعي المفرط: يعيش البطل في حالة من الوعي المؤلم والمُضاعف. فهو يرى أن الوعي المفرط هو لعنة تحرم الإنسان من راحة البلاهة والاندفاع الطبيعي. هذا الوعي يجعله يحلل جميع دوافعه، وبالتالي يعجز عن اتخاذ أي قرار حقيقي.

  2. نقد العقلانية: يرفض البطل فكرة أن الإنسان سيتصرف دائمًا “لمصلحته” إذا عرفها، وهي الفكرة التي كان يروج لها فلاسفة التنوير. يرى أن الإنسان يملك حاجة أساسية للرغبة في شيء لامعقول وضار أحيانًا، وذلك فقط لإثبات حريته وإرادته.

  3. حرية الإرادة: يعلن البطل تمرده على أي نظام يحاول تنظيم الحياة البشرية بشكل منطقي وبلا مفاجآت، مثل المعادلة الرياضية “$2 \times 2 = 4$“. بالنسبة له، هذه الحتمية المنطقية هي سجن لروح الإنسان، ويرى أن حرية الإنسان تتجلى في رفض هذه الحقائق القاطعة.

 

الجزء الثاني: بصدد الثلج الرطب (السرداب الاجتماعي)

 

في هذا الجزء، ينتقل البطل إلى سرد ذكريات وقعت قبل ستة عشر عامًا، لتكون بمثابة أمثلة حية تثبت نظرياته الفلسفية حول عجزه وفشله الاجتماعي.

  1. الفشل في التفاعل الاجتماعي: يسرد محاولاته الفاشلة للتفاعل مع زملائه السابقين، وسعيه اليائس والمُهين لإثبات كرامته أمام ضابط ظن أنه تجاهله. تظهر هذه الأحداث مدى تناقضه، فهو يريد أن يكون عظيمًا ومُحترمًا، لكنه يتصرف بجبن وهشاشة.

  2. حادثة ليزا (فتاة الليل): أهم أحداث الجزء الثاني هي لقاؤه بفتاة الليل “ليزا”. في البداية، يحاول البطل أن ينقذها أخلاقياً ويُلقي عليها مواعظ عن الحب والحياة الكريمة، لكن دوافعه الحقيقية كانت مزيجًا من الغرور ورغبة في ممارسة السلطة. وعندما تزوره ليزا لاحقاً في عزلته، ينهار قناعه الزائف. يتصرف بغضب تجاه عاطفتها الصادقة (لأنه لم يكن مستعدًا للحب الحقيقي أو التخلص من عزلته)، فيهينها ويطردها، ثم يشعر بالخزي والعار من نفسه ومن تصرفه الحقير.

 

أهمية الرواية:

 

تعتبر “في سردابي” نصًا مؤسسًا للأدب الوجودي. فهي تُرسم ببراعة شخصية “الإنسان المنفصل” أو “البطل المعادي” الذي يغرق في التحليل الذاتي، ولا يستطيع العيش أو الفعل بشكل طبيعي، ويفضل الانسحاب إلى عالمه العقلي الخاص. هذا التمرد على المنطق والبحث عن القيمة في المعاناة هو ما جعل الرواية نصاً خالداً في تحليل أغوار النفس البشرية.

كتب ذات صلة

تقييم
Scroll to Top